قضيةُ القضية ! – تأملات

متى يصبحُ الفردُ صاحب قضية في حياته ، ومالمراد بالقضية ، وما مدى حاجة المجتمع لشخصية تحملُ همًّا و تسعى لأجلِ قضيةٍ / رسالةٍ ما ؟! .. كانت ومازالت تلكَ الأسئلة وأخرى مثلها تدورُ في رأسي واحدة تلو الأخرى ، فَـ وددتُ طرحَ الموضوعِ للنقاش مع ذاتي علِّي أصلُ إلى حلٍ أستطيعُ اعتمادهُ ..!

وبعدَ تأملاتٍ عدة وصلتُ إلى التالي :

القضية هي اكتشاف الفرد لسببِ خلقِ الله – عز وجل – لهُ ! ، أي أنكَ حينَ تصبحُ صاحب قضية فأنت بذلك تكون قد اكتشفت سبب وجودك على هذهِ الأرض ، وتبعًا لذلك تكون قد اكتشفت سبب كل ما حدث وما يحدث في حياتك منذُ طفولتك و حتى شبابك – إن افترضنا أنك اكتشفتَ قضيتك في شبابك – ! ، ثم إن القضية تغيّر عدة أمور في الفرد ، فهي تجعلهُ مسؤولًا بشكل أكبر عن تصرفاته ، بل وحتى مسؤولًا عن وقتهِ ، لأنهُ إن آمن بقضيتهِ فقد صار حتمًا يؤمنُ بأهمية وقتهِ بثوانيه قبل ساعاتهِ ! ، ومن تتابعِ هذا تجد أن اهتماماتك تغيّرت ، وتختلفُ نسبة تغيّر الاهتمامات هنا ، فـ بما أنك صرت تؤمنُ بأهمية وقتك هذا يعني أنك حتمًا ستعملُ على إعادة هيكلة قائمة اهتماماتك لتوافق تلك القضية .. مثلًا إن كنتَ من متابعي المسلسلات فَـ ستكف عن ذلك لأجلِ قضيتك .. أمرٌ آخر اكتشفتهُ في مسألةِ القراءة والبحث ، سيختلفُ لديكَ هذا الأمرُ أيضًا ، فَـ في الوقت الذي كنت تحيا فيهِ دونَ هدفٍ حقيقي بعدَ عبادةِ الله – عز وجل – في إعمار الأرض سـ تكتشف أن قراءاتك و أبحاثك تكون قد عبرت بك إلى منحنىً آخر في سبيل تحقيق هدفك و العمل على قضيتك ، فإن كنت مهتمًا بالأدب ، سيتضاءل اهتمامك به ويزداد بالتالي تعلقك بِـ مجالِ عملك الذي تسعى من خلالهِ لتحقيقِ سبب الخلق الذي اكتشفتهُ مؤخرًا !

أما عن متى يصبحُ الفرد صاحب قضية في حياتهِ أو متى يكتشفُ العلّة من خلقهِ بعد العبادة و في إعمار الأرض ، فَـ لستُ بأعرفِ منكم في ذلك ، اللهُ أعلم ! .. لكن لابد من علامات .. على سبيل المثال ، اهتمام الفرد الأساسي بالنهضة يؤهلهُ حتمًا لاكتشافِ المجال الذي اختارهُ الله له لِـ يعمل على إعمار الأرض فيه ! .. أما إن كان الفردُ منا يلهثُ وراء الدنيا ولا يفكرُ بالأمة فَـ هو حتمًا تائه أكثر بكثير من غيرهِ .. لذلك أؤمنُ دائمًا بِـ قرار الفرد الأوليّ الذي يحدد اهتماماته ومسيرتهُ في الحياة .. فأن يختار الفردُ منا مصاحبة نجوم الغناء ، هو بالتالي حدد مسارهُ في الحياة كَـ فردٍ من الأتباع لا من القادة ، وسيتخبطُ تبعًا لذلك بينَ المجالاتِ المختلفة سواء في دراستهِ أو وظيفته .. إلا إن شاء لهُ الله غير ذلك !

وفي حاجةِ المجتمع لهُ يقولُ الأخ عبيدة غضبان بأن ” الوطن بأكملهِ يحتاجُ لِـ صاحب القضية وليس العكس ! ” ، وانظروا للأوطانِ اليوم كيف ترفضُ أصحاب القضايا حتى صار أفرادها متخلفون بها و صارت هي متخلفة بأفرادها ، الموضوعُ هنا ليسَ سياسيًا ولا أحب الحديث في السياسة بل من جانبٍ مجتمعي إصلاحي أفكر في لو أن المساحة أتيحت لأصحابِ القضايا فتحدثوا و أقاموا المشاريع و أشعرتهم أوطانهم بالسعة التي يستطيعون معها القيام بنهضة كبيرة على مستوىً عالٍ بالاشتراك مع الدول المجاورة ! .. الأوطانُ حقًا تحتاجُ أصحابَ قضايا ليصححوا المفاهيم و يقودوا الأفراد نحو مستقبلٍ أفضل تُمحى معهُ مشاق الحياة و تُيسّر بهِ السبل أمام أبناء المجتمع !

حينَ تؤمنُ بقضية على أنك خُلقتَ لتحلّها ، لن تعودَ لِـ تهتم بالماديّات في الحياة ، لن تهتم بوصفِ حالكَ على الفيس بوك أو تويتر ، لن تهتم بمرضك ، لن تهتم بأحاديثِ الآخرينَ عن جنونك .. سترى كل ما ذُكرَ سابقًا كلام فارغ ، ستعيشُ في عالمِ الأفكارِ طويلًا ، ستنعزلُ عن الآخرين ، لن تهتم بالحفلاتِ كثيرًا ، ستكرهُ الاتصالات ، ستبتعدُ عن علاقاتك ، ستبغضُ برامج المحادثة ، ستستشعرُ كلام الله – جل و علا – في القرآن و ستبكي كثيرًا حين تقرؤه ، ستضعُ ملاحظاتٍ كثيرة على الآيات تشرحُ فيها معنىً وصل إليك منها ، ستحب السماء لأن فيها مُبتغاك ، ستخشى على إخلاصك و تسأل الله الثبات كثيرًا ، ستغمرُ ملامحك مسؤولية عظمى يلحظها البعض عليك ، ستنسى أن تبتسم ، ستنسى كثيرًا أن تبتسم لأنك على كل حال مستغرقٌ في التفكير بقضيتك .. ببساطة ، ستحبُ حياتك !

* أكتبُ لكم أمورًا أعيشها الآن ولا شيء هُنا من نسجِ خيالي أبدًا ، ولا يُشترط أن يحدث كل ذلك مع كل صاحب قضية ، هذا ما تعيشهُ أبرار فقط !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s